الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
261
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وجود النظم والقانون في عالم الوجود والخلق تعتبر من أهم مسائل هذا العالم ، فمثلا : إذا وجدنا مئات العقول الإلكترونية القوية قد انضم بعضها إلى بعض لإعداد الرحلات الفضائية لرواد الفضاء بالمحاسبات الدقيقة ، وكانت حساباتها صحيحة تماما حيث تنزل المركبة الفضائية في المكان المقترح لها على سطح القمر ، مع أن كوكبي القمر والأرض يتحركان كلاهما بسرعة ، فينبغي أن نعرف أن هذا الحدث العظيم مدين لنظام المجموعة الشمسية وأقمارها الدقيق ، لأنهم إذا انحرفوا عن مسيرهم الدقيق المنتظم بمقدار 1 % من الثانية ، لما كان معلوما مصير رجال الفضاء ! وننتقل من العالم الكبير إلى عالم أصغر وأصغر وصغير جدا ، فهنا - وخاصة في الكائنات الحية - سيتخذ النظام معنى أكثر حيوية ، ولا محل للفوضى فيه مطلقا ، فإن اختلال النظام في خلية واحدة في دماغ الإنسان كاف لأن يبدل نظم حياته إلى اضطراب مؤسف . وجاء في أخبار الصحف : إن شابا جامعيا قد نسي كل ماضيه تقريبا على أثر هزة دماغية شديدة في حادثة سير ! مع أنه كان سالما من حيث الجهات الأخرى ، فلم يعرف أخاه ولا أخته كما كان يتضايق عندما تحتضنه أمه وتقبله ، ويتساءل : ماذا تفعل معي هذه المرأة الأجنبية ؟ فيذهبون به إلى مسقط رأسه ، وإلى الغرفة التي نشأ فيها ، فكان ينظر إلى أعماله اليدوية ، ولوحاته الفنية ، إلا أنه يقول : إني أرى هذه الغرفة واللوحات لأول مرة ! ربما كان يعتقد أنه قد قدم من كوكب آخر ، فكل شئ جديد بالنسبة له . ربما توقفت بعض خلاياه من بين عدة مليارات من الخلايا المخية ، وهي التي تربط ماضيه بحاضره ، ولكن أي أثر مرعب تركه هذا الاختلال الجزئي ؟ ! هل يستطيع المجتمع الإنساني بانتخابه اللا نظام والفوضى والظلم والجور